المزيد
الآن
حكايا كواليس أفلام المخرج عز العرب العلوي..الحكاية 25: في الطريق نحو معهد الس...
سينما

حكايا كواليس أفلام المخرج عز العرب العلوي..الحكاية 25: في الطريق نحو معهد السينما... ورطة عادل امام والفتوغرافي

عز العرب العلويعز العرب العلوي

طوال شهر رمضان الكريم تلتقون يوميا من حكايا سينمائية بقلم المخرج المغربي عز العرب العلوي، والتي ينقلنا من خلالها الى كواليس افلامه الوثائقية والسينمائية.

الحكاية :25


 
منذ أن غادرت منطقة قليوب حيث يسكن رمضان ٬ وانا اتنقل من محطة الى اخرى ومن حافلة الى أخرى ..لم أصل الى الفندق الا في التاسعة ليلا .. أربع ساعات لقطع مسافة عشرين كلم الى ميدان العتبة ....كنت متعبا جدا .. نسيت أمر العشاء.. عندما دخلت الى الفندق٬ طلبت  مفتاح الغرفة من المغربي عبد السلام ..قال لي بأن أحدهم جاء لمقابلتي في الفندق ..قفزت خوفا من مكاني ..
كيف عرف رمضان بعنوان هذا الفندق وانا لم اذكره له أبدا..؟!!! واذا لم يكن هو المعني بالامر .. فمن ياترى يعلم بوجودي هنا ..؟!!! 
قلت له متلهفا : من يكون هذا الشخص ياعبد السلام…أرجوك اخبرني من يكون ؟ 
لم يجبني عن سؤالي .. ذهب مباشرة الي مخدع صغير قرب رف المفاتيح  واخرج ورقة وقال لي : لقد ترك لك  رسالة ..
وضعها أمامي على المرفع الخشبي  وأضاف :
لاتنسى ان تخبر الشرطة بوجودك في الفندق وتختم الصفحة الاخيرة للجواز .. قلت له : ولماذا  اختم جوازي مرة اخرى عند الشرطة ..لقد قمت بذلك من قبل في الجمارك ؟..
أخد عبد السلام بعض الأوراق  في علبة كانت  أمامي  وبدأ يعيد ترتيبها في ملف كبير. ورد قائلا :
 هنا في مصر يا ولد بلادي .. يجب اخبار الشرطة بكل تنقلات الغرباء.. و أين يقطنون.. ومع من من المصريين يتعاملون .. وحين تغير هذا الفندق يجب عليك كذلك أن  تخبرهم بذلك ..وتختمه من جديد وهكذا ..الى أن تغادر مصر المحروسة ..
 قال هذه التعليمات واستمر في ترتيب أوراقه كأن الامر محسوم سلفا ..


أخذت الرسالة وأنا في حيرة من أمري أمام كثرة هذه الاحتياطات التي تشيع عدم الامان بدل من تحقيقه .. 
صعدت الادراج  وانا أجر قدمي جرا ..دلفت الغرفة وارتميت على السرير .. تحسست الورقة  في يدي ٬ فتحتها. كنت أنتظر تهديدا من رمضان أو ماشابه ..  ما أن نظرت الى أعلى الصفحة حتى  شعرت بالهدوء والاطمئنان و  بدأت اقرأ سطورها بالتدريج   :
 من محمود محمد المحامي الي الصديق المغربي السيد علوي 
ارجو المعذرة ايها العزيز عما بدر مني من تقصير في حق ضيافتك 
وسأعاود الاتصال بك قبل مغادرتك لهذا الفندق 
مع تحياتي
 محمود محمد المحامي 


وضعت الورقة جانبا .. مددت يدي بهدوء نحو قابس الضوء  وطفيت المصباح و نمت ..
ذكرى  تلك الزيارة  اللعينة لمحمود كانت بالنسبة لي بمثابة تلك  الدمى الروسية الشهيرة « ماتريوشكا"، حيث تحوي هذه الدمى بداخلها دمي أخرى بنفس الشكل، لكن بحجم أصغر، ويزداد العدد تدريجيا… هكذا كان سوء الطالع في زيارة محمود..ظلت المشاكل تتناسل طيلة اليوم باكمله ..غير ان ما اثار انتباهى في حادث هذه الرسالة .. رغم أننى لم أكن سعيدا بتلقيها٬ هو قوة التركيز لدى محمود المحامي . فقد  تذكر اسم الفندق  -حينما قلت له ذلك بشكل عرضي ونحن نصعد الادراج نحو بيته-  تذكره رغم تلك الفتن التي كانت تسكنه  …
عكس ما كنت أظن فقد كان يلقي بالا لكل ما كنت أقوله ..كان يسمعني بتمعن رغم الحالة المريبة التي كان عليها .. 


في الصباح خرجت  من الفندق  متأخرا الى حدما .. كان اليوم جمعة..في مصر لادوام اداري  في ذلك اليوم.. توجهت كما البارحة الى عربة الحاج متولي صاحب الفول والطعمية ..تناولت فطوري وشربت الشاي .. تذكرت قول الحاج ابو الفضل و جامع الازهر والزرابي المغربية فقلت مع نفسي ..و رغم أني لم أكن أصلي.. لماذا لا اتوجه  الى هناك لصلاة الجمعة. ..وبالمناسبة أكتشف الامر بنفسي ..
سألت الحاج متولي عن طريق جامع الازهر  فارشدني الى المحطة المقابلة  هناك مابعد الحديقة التي تتوسط الميدان ..وبدافع الشهامة المصرية٬ زودنى هذا الرجل الطيب بجميع الارشادات الممكنة للوصول اليه بدون مشاكل وبدون أن أسأل أحد.. وكذا طلب منى أخذ كل الاحتياطات اللازمة وآنا هناك في تلك المنطقة الشعبية جدا  .. شكرته لحسن صنيعه وانطلقت أعبر الشارع .. وانا في طريقي الى محطة الحافلات  دلفت - كما هو منتظر- عشب الحديقة . وتذكرت ذلك المكان الذي احتضنني  ليلا اول مرة عندما وطأت قدماي هذه الارض الطيبة ..  على اليمين من ذلك المكان وقع نظري على مجموعة من المصورين الفتوغرافيين  الحرفيين .. تماما كما هو الشأن عندنا نحن في المغرب تواجد الفتوغرافيين  في الحدائق والشوارع الكبرى للمدن والمناطق السياحية .. ورغم توفري على آلة تصوير ٬ الا أنني اقتربت  منهم كثيرا بدافع الفضول .. 
هذا الفضول كان ناتجا عن وضعيات غريبة  كان يقوم بها الزبناء أمام الكاميرا..


فالمصورون يأخذون لقطات لزبنائهم وهم يضعون ايديهم على الفراغ ..كانهم يتكئون على اشخاص وهميين .. وحين ينتهون من ذلك يمدونهم بملف كبير من صور المشاهير وعليهم اختيار الشخصيات التي يودون أن تكون شريكة لهم في تلك الصورة .. بمعنى أصح:  انها صناعة  صور للقاءات وهمية مع كبار الفنانين والشخصيات ..
اقتربت كثيرا من أحدهم ورأيت  تقريبا كل الصور وهو يشرح للزبون ويريه صورا للنتائج النهائية بعد دمج الشخصيات في صورة واحدة ..
أعجبت بالفكرة كثيرا..فكم كنت مهووسا بأفلام عادل امام الى حد العشق ..كانت أفلامه بالنسبة لنا في تلك المرحلة مبهرة للغاية ...  ولا أظنني أستطيع في تلك الظروف أن أحظى بمقابلته أو آخذ صورة معه.. 
رجعت بسرعة فائقة الي الحاج متولي صاحب الفول والطعمية .. الرجل الطيب .. وسألته عن ثمن أخد صورة هناك في الحديقة مع هؤلاء المصورين  ..الحاج متولى  في تلك اللحظة كان مشغولا جدا..ورغم ذلك التفت لمساعده.. وأظنه ابنه أو قريبه لست أدري ..لأن الشبه بينهما كان كبيرا فقال له :
 يا علي عندك فكرة  بكم بياخذو الصور هناك اليومين دول ؟.. 
علي اعتذر وقال له بانه لا يعلم .. غير آن أحد الزبائن يحمل ظرفا وفيه صورا  تدخل و قال لي :
 أنا لس جاي من هناك .. الصورة عادية  بجنيه.. والصورة مفبركة  معا المشاهير باثنين جنيه…
شكرت الرجل على تلك المعلومة القيمة  وتوجهت  نحو الفتوغرافي في الحديقة .. 


بعد التحية قلت له بالمصري :
 انا عايز صورة مع عادل امام …
رد علي الفتوغرافي..وقال : مع عادا امام بس ..لازم  وحدة كمان مع محمد صبحي .. 
قلت له : لا…لا .. فقط عادل امام .. قال لي : يا خرابي انت ما شفتش المسرحية الاخيرة لمحمد صبحي وهو عامل نفسو ما بيشفش  ودخل وسط العميان .. مسرحية  «  وجهة نظر » ..وكانت معاه عبلة كامل وهاني رمزي..و ..و ..مسرحية بتجنن …
قلت له :  لا .. لم تتاح لي الفرصة لمشاهدتها .. قال لي: أهو الاعلان أهو ..
قال لي ذلك واشار الى  لوحة اعلان كبيرة جدا  تحتوي على صورة محمد صبحي وعنوان المسرحية بالبنط العريض .. «  مسرحية الموسم : وجهة نظر » ..
استمر الفتوغرافي في الحديث وهو يثني على نجاح المسرحية وعلى أداء محمد صبحي الرائع ..
 لكنه فاجأني في نهاية الدردشة بسؤال وقال لي : الاخ ليبي ؟ .. 
حاولت استدراك الامر ..ضحكت وقلت له : لا أنا مصري …
ضحك هو الاخر وقال : لا انت يا ليبي يا تونسي .. 
انزعجت من هذا الامر فربما اندماجي في الحديث عن الفن والفنانين وطول الحديث باللهحة المصرية  بيني وبين الرجل دفعني الى ارتكاب هذا الخطأ  الشنيع .. 
فكرت في الانسحاب من الموقع فخطة التمويه لم تنجح ..لكن بما أنني  كنت محصنا بالمعلومات عن الأثمنة  التي أخذتها من زبون الحاج متولي من قبل ..فقد قبلت الاستمرار و طلبت أخد صور  ..


طلب منى الفتوغرافي الوقوف في مكان معين حسب اختياره .. ودعاني الى رفع يدي اليمنى..ثم تراجع الى الوراء  واخذ صورة .. ثم طلب مني الجلوس بطريقة معينة وفي مكان مختلف واخد صورة ثانية  .. فعل نفس الشيئ في الصورة الثالثة والرابعة .. شعرت  بأن الامور بدأت  تخرج عن السيطرة ..
توقفت عن الامتثال لطلباته.  وقلت له :
 سيدي انا طلبت صورة واحدة مع عادل امام ..و قبلت بالثانية مع محمد صبحي  لانك نبهتني الى النجاح الكبير الذي لقيته مسرحيته الاخيرة .. 
رد علي بقوله : ولا اهمك دا لزوم الشغل ..احنا مش حنختلف.. ولا يهمك ..انت ضفنا أو خلي كلو على حسابي ..
استمر الفتوغرافي في أخد الصور .. عندما انتهى  كان عدد اللقطات لم يتجاوز ستة صور .. 
 على ضوء ما تم  التقاطه لي من صور ..طلب مني انتقاء وضعيات الممثلين ٬ حتى يخلق انسجاما بيننا في الصورة النهائية عند الادماج…
اتفقنا على الوضعيات وكذا على المشاهير أيضا..على ما أذكر  كان الاختيار قد وقع على :  عادل امام ..محمد صبحي ..فاتن حمامة .. محمد العربي .. عزت العلايلي..و محمود المليجي عملاق السينما المصرية ..كان الرجل منبهرا باختياراتي . 
وهو يعيد لف بكرة  شريط آلة التصوير الى وضع البداية لاخراجه للتحميض ..قال لي بان الصور ستكون جاهزة غدا . وحتى لا يتعبني في البحث عنه غدا في الحديقة ..قال لي بأن الصور سأجدها في بهو الفندق عند السيد عبد السلام .  
قبل تأدية واجب الصور ورغم أني أعرف المبلغ الذي يجب دفعه٬ سألته عن الثمن . وقال بنفس العبارة  التي كان يرددها دائما : خلي يا بيه دا انت ضيفنا .. قلت له شاكرا : ولو يا عزيزي.. شكرا  على كلماتك الطيبة ..بس قل كم الثمن من فضلك ..؟
أخرج قلما و ورقة على شكل فاتورة  ٬وبدأ يقوم بحسابات مختلفة ومتعددة .. استعمل فيها الطرح والضرب والقسمة ٬ثم خلص في الاخير الى مبلغ  خمسة وثمانين جنيها .. وحتى تتضح الصورة أكثر لقيمة هذا المبلغ آنذاك  .. فالفتوغرافي يطلب مني دفع مبلغ يساوي في مجموعه كل من كلفة  فندف صاحب الناي المكسور بتونس  و ثمن تذكرة البؤساء من ليبيا الي الاسكندرية وتكلفة ثلاثة ايام بفندق  روي بالقاهرة بميدان العتبة .. وبمعني آخر  حسب القول  المصري : خراب بيوت والسلام ..
لم أجد أمامي بدا وأنا أمام هذه الورطة سوى الضحك .. بدأت أضحك وقلت له :
 عزيزي ..حتى ولو قمنا باحتساب  ست لقطات التي أخذتها كاملة ٬رغم اني لم أطلب سوى إثنين  وقبلت الباقي رغما عني فالمجموع لن يتعدى اثنتا عشر جنيها..


تغير لون الرجل  واحمر وجهه وتحول من ملاك الى شيطان في رمشة عين وقال بنرفزة : بتضحك ليه ياروح امك .. بتضحك ليه ..شفتني برقص قرود …
قلت له هادئا : أنا بضحك فقط لان في الامر سوء تفاهم ..
قال والنرفزة بلغت  منه أشدها : سوء تفاهم ايه يا روح آمك ..؟ مش كفاية بتيجو من أني داهية ..أو بتاكلو  و اتشربو و تسكنو في مصر بملاليم .. عايزين تاكلو حتى حق الغلابة ..
تراجعت الى الوراء ..لان الرجل كان يصرخ في وجهي مباشرة و التهديد بالضرب باد على ملامحه .. قلت له مستعطفا  : ياسيدي انا مجرد طالب وليس كل من زار مصر غنيا .. وأنا أعلم مسبقا أن ثمن الصور هو ماقلته لك .. فلماذا تعاملني بهذا الشكل ..
حاصرني والتفت خلفه نحو الحديقة  وقال بصوت عال : 
ياعلي ..يا محمد…يا براهيم … يا مصطفى … بدأ ينادي على جميع الفتوغرافيين الموجودين في الحديقة .. بدون سابق انذار بدأوا يتحومون حولي  كالذئاب المفترسة  ..كنت أشعر كأنني ذلك الحمل الصغير الذي تاه عن القطيع واستفردت به الذئاب في منطقة لا يستطيع الفكاك منها نهائيا. فأصبح لاحول له ولا قوة .. تجمهروا جميعهم حولي ولم اعد أرى الشارع .. حاصروني مع شجرة كبيرة كانت هناك ..البعض منهم كان يحتك بي باحثا عن  محفظة النقود او جواز السفر او ماشابه .. والبعض الاخر كان يضربني على رأسي تلك الضربات الخفيفة التي تعبر عن الاهانة.. تماما  كما كان يفعل المعلم حينما يضبطك متلبسا بالحديث مع زميلك في القسم وهو يشرح الدرس..اما شيخ الفتوغرافيين ويبدو أنه اكبرهم سنا ..فكان يشدني من ذقني وهو يؤذبني على عدم قبول دفع المبلغ  و يقول : ما تدي للراجل حقو يا مفتري ..انتو ليه مابتحسوش بالغلابة ..دا الراجل عندو عيال ..عايز تاكلو ليه ؟؟؟؟


كان همي الوحيد في تلك اللحظة هو الخروج من وسطهم ..كنت  أخشى ضربة سكين غادر من هنا او من هناك ..كنت ألتصق بالشجرة  لتأمين الخلفية  وبكلتا يدي كنت أحافظ على موقع المحفظة الجلدية لانها كانت هي الامل الوحيد للرجوع الى المغرب ..
استمر الوضع على هكذا حال حتى فاض بي الكيل وشعرت بضيم ما بعده ضيم .. وغرورقت عيني بالدموع .. ولم تعد لي القدرة  على مقاومة ذلك الحشد من البلطجية  وذلك الكم من الإهانات  ..لا أخفي عنكم أنها كانت اللحظة الاولى والاخيرة التي كرهت في السينما وكرهت عادل امام كذلك . .لم أعد أتذكر ماذا كان قد حصل فيما بعد..كل ما أتذكره هو أني دخلت في هستيريا حادة جدا.. بدأت  أصرخ بأعلى صوتي لعل أحدهم يتدخل :
الحقوني  يا بوليس ..يا بوليس … الحقوني يا بوليس…النجدة ..يابوليس ..النجدة …سيقتلونني ..النجدة …


شرطي المرور  الذي كان موجودا في ملتقى الطرق سمع الصراخ.. أو تم اخباره  من طرف المارة  لست أدري .. كل ما أتذكره أنه جاء يجري من بعيد وهو يستخدم صفارته .. وعندما وصل كان الجمع قد تفرق وهرب الجميع الى الدروب المجاورة ..لم يتبق أحد ..بحثت كذلك عن ذلك الشيخ الفتوغرافي اللعين الذي ظل يعبث بدقني و لم أجده .. كما يقول المصريين فص ملح و داب ..
خَرَتَتْ بي قدماي الى أسفل الشجرة.. وعلى التراب مباشرة جلست . هدأ الشرطي من روعي وطلب مني  جواز سفري.. مددت يدي الى المحفظة الجلدية ومنحته الجواز ..و هو يتصفحه بدأ يستفسر عما وقع .. حكيت له الحكاية من البداية الى النهاية بدون زيادة أو نقصان . في الحقيقة والشهادة للتاريخ كان الشرطي يستمع الى كل ماكنت أقوله بامعان ..بل وكان يسجل كل المعلومات على ورقة مستقلة ..استفسر عن مكان الاقامة  و سبب الدخول الي مصر..و استفسر عن من المصريين الذين أعرفهم والتقيت بهم  .. الى غير ذلك من الاسئلة البوليسية المعتادة …
عندما انتهى من جمع المعلومات٬ قال لي:  هل تريد ان تقدم شكوى ضد من تدعي أنهم ضربوك وحاولوا سرقتك … قلت له : لا اظن .. فانا هنا لدراسة السينما ..وأخشى ان تؤثر الشكوى على مواعيدي ويضيع كل شيئ ..


استحسن الشرطي هذا الامر ثم ألقى نظرة على الصفحة الاخيرة من حواز السفر ولم يجد خاتم الاهرامات الصغيرة التي تدل على ختم الزائر للمكان المتواجد فيه  وقال : لماذا لم تختم جوازك  بمكان الاقامة ..؟ قلت له   : لم أكن  أعلم بذلك وحتى في الجمارك لم يخبرنا أحد بهكذا إجراء.. فقط علمت  البارحة من طرف المكلف بالفندق .. و انت تعلم بأن اليوم عطلة .. غدا انشاء الله أتوجه الى اقرب مركز شرطة واقوم بالواجب ..
 قال لي بهدوء: لا .. لا .. كان لازم أول ماجيت تحط هدومك في الاوطيل وتروح لأقرب نقطة وتختم .. علشان نعرف انك في الأوطيل …
رجوته أن افعل ذلك يوم غد … فقال لي : لو كنت دفعت للراجل الغلبان حق الصور ..كان زمانك  روحت بدون مشاكل ..
 في هذه اللحظة بالضبط  قمت مفزوعا من على الارض.. وشعرت فعلا أنني في ورطة أخرى ..استغربت لما قاله الشرطي فكأن كل ماحكيته له لم يكن سوى لاستئناس فقط  ..


 وحتى أدافع عن نفسي من جديد ٬أعدت الحكاية من الاول وقلت له :
 ياسيدي .. حق الصور الستة اثنتا عشر جنيها ..ويمكن لك بسهولة آن تتأكد من ذلك ..غير أن الفتوغرافي طلب اضعاف اضعاف هذا الثمن.. طلب خمسة وثمانون  جنيها ..فكيف لي ان استجيب لهذا الطلب..
 قال لي الشرطي بهدوء تام دائما : طيب ..بمعنى ان  الراجل صورك  ستة صور ..وانت بتقول ان ثمنها اثنتا عشر جنيها .. على هذ الاساس ابقى في ذمتك  اثنا عشر جنيها  ..صحيح آم لا  ؟.. قلت له : صحيح  …
قال  لي : طيب .. هات بأ اللي في ذمتك .. 
في الحقيقة آنذاك ٬لم تعد لدي القدرة على الاستمرار في الكلام من جديد ..نظرت اليه نظرة من لاحول له ولا قوة .. مددت يدي واخرجت اثنتا عشر جنيها وأعطيتها للشرطي ..أخذها بهدوء و أعاد الي  جواز السفر وقال :
 ذمتك دي الوقت خالصة .. ماتنساش بأ تروح بكرا  تختم جوازك هناك في العمارة الكبيرة دي  …
أكمل حديثه و وضع المال في جيبه ورجع الى مكانه في ملتقى الطرق . وباشر عمله بشكل عاد جدا …
أشحت بنظري عنه وارتميت تحت الشجرة من جديد وأنا أتأمل الوضع .. وأتحصر على ما فقدته من مال في ظرف اجتماعي  لا يسمح بذلك 
لاصور استفدت منها  .. ولا مال ظل في جيبي للانفاق  …
وضعت رأسي بين كفي وأغمضت عيني٬ علني استعيد بعضا من التوازن الداخلي الذي فقدته …

من بعيد تراء الي سمعي صوت تجويد القرآن الكريم .. لازلت أتذكر كان صوت عبدالباسط عبد الصمد يتلو ما تيسر من الذكر الحكيم بصوت غاية في التأثير والروعة  .. : ﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ   ….
بدآ الصوت يقترب مني شيئا فشيئا حتى لم يعد يفصلني عنه شيئا .. رفعت رأسي فكان رجلا بملابس بيضاء فضفاضة ولحية بيضاء مدلاة على صدره ..يدفع عربة صغيرة  مملوءة بشرائط القران الكريم وببعض الكتب الدينية والكثير من السبح بخرز منظومة بالوان مختلفة .. 
من مكاني جالسا بدأت أنظر اليه  .. تحسست يدي فكانت بعض الجنيهات لاتزال عالقة في كفي..نظرت اليه ولم اقل شيئا..فقط منحته جنيها واحدا .. مد الرجل يده وأخذه ..ثم رجع لعربته الصغيرة وأخرج منها قطعة صغيرة لاتتعدى حجم الكف من الخشب وقد نقشت عليها آية الكرسي .. منحني اياها.. ثم أعاد ترتيب كتبه حتى لا تسقط.. عندما انتهى من ذلك استدار واكمل طريقة الى وسط الحديقة ..فبدأ صوت التجويد يبتعد عني شيئا فشيئا  الى أن ابتعد تماما ولم اعد اسمع سوى ضجيج المدينة  …
مسحت ما تبقي من دموع كانت حبيسة العينين  …ثم وقفت٬ وأزلت غبار الارض من على ملابسي.. و قطعت ماتبقي من مسافة في الحديقة .. وهناك في الجهة الاخري من الطريق .. وقفت  كآن شيئا لم يكن .. ثم أخذت مكاني  بين الناس في انتظار الحافلة …

السمات ذات صلة

آخر المواضيع