المزيد
الآن
تونس.. رئيس حكومة مع وقف التنفيذ وبلاد على شفا أزمة سياسية
دولي

تونس.. رئيس حكومة مع وقف التنفيذ وبلاد على شفا أزمة سياسية

وكالاتوكالات

في أعقاب مناورات سياسوية محتدمة، وحالة من الترقب المقلق، أقر رئيس الحكومة التونسي المكلف إلياس الفخفاخ، قبل خمسة أيام من نهاية المهلة الدستورية التي تنتهي في 20 فبراير الجاري، بأن العملية التي شرع فيها منذ 26 يوما قد وصلت إلى طريق مسدود.

فبعد تشاور مع رئيس الجمهورية قيس سعيد، وترقب طويل، مع تزايد الضغوط والمخاوف، أعلن رئيس الحكومة التونسي المكلف عن قراره "استغلال ما تبقى من الآجال الدستورية لأخذ التوجه المناسب بما يخدم المصلحة العليا لتونس"، وذلك بعد انسحاب حركة النهضة من الحكومة قبل وقت قصير من الإعلان عنها.

كما أعلن إلياس الفخفاخ أنه سيواصل مشاوراته مع الأحزاب السياسية، سعيا إلى توافق صعب وإقناع حركة النهضة بتجنب إغراق البلاد في أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية من شأن عواقبها أن تكون وخيمة وباهظة الثمن.

ومن شأن مآل الحكومة التي اعترضت عليها، في اللحظة الأخيرة، حركة النهضة (الإسلامية)، الفائزة في الانتخابات التشريعية التي جرت في أكتوبر الماضي (54 مقعدا في البرلمان)، و "قلب تونس" (38 مقعدا) وائتلاف الكرامة (21 مقعدا)، أن يكون ذات المآل الذي واجهته حكومة الحبيب الجملي في البرلمان.

فمنذ يوم الأربعاء الماضي، استشعر مراقبو الساحة السياسية مدى دقة الوضع الذي يوجد فيه إلياس الفخفاخ، الذي أظهر ميلا إلى حزبي التيار الديمقراطي بزعامة محمد عبو (اجتماعي ديمقراطي يتوفر على 22 مقعدا)، وحركة "الشعب" (ناصرية تتوفر على 15 مقعدا)، وهما مناهضان لحركة النهضة، ليقع إلياس الفخفاخ أسير المسعى الذي اختاره.

وإذا لم يتمكن الفخفاخ خلال الأيام القادمة من إيجاد سبيل يمكنه من الخروج من هذا الوضع واستعادة ثقة حركة النهضة، فإنه سيتم في أفضل الحالات الاستغناء عنه واستبداله بشخصية أخرى تحظى بتوافق أكبر.

كما أنه يجازف في الوقت نفسه، بجعل البلاد إزاء أسوأ السيناريوهات، وهو حل البرلمان وتنظيم انتخابات سابقة لأوانها، وفق ما ينص عليه الفصل 89 من الدستور التونسي.

وقد أدرك إلياس الفخفاخ، ولو على نحو متأخر، استحالة مواصلة عملية تشكيل حكومة ذات "نفس ثوري".

وبحسب المحللين فقد تم ارتكاب أخطاء منحت لحركة النهضة رغم حالة الشك التي تساورها، المزيد من القوة والتصميم.

ولعل الخطأ الأول يكمن في اختيار الرئيس لمرشح (أي الفخفاخ) لم يمنحه التونسيون ما يكفي من الأصوات خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، كما أن حزبه حزب "التكتل" تلقى ضربة قوية خلال الانتخابات التشريعية لأكتوبر الماضي.

ويتمثل الخطأ الثاني بحسب ذات المحللين في كون إلياس الفخفاخ اختار الاستراتيجية غير المناسبة.

ففي سياق الرغبة في كبح جماح النهضة، فتح المجال أمام حزبين أقل تأثيرا (التيار الديمقراطي وحركة الشعب)، تميز خطابهما بالدعوة إلى محاربة الفساد، دون التردد في توجيه أشد الانتقادات لحركة النهضة مع السعي إلى تهميش ثلاثة أحزاب أحرزت مراكز متقدمة في الانتخابات التشريعية الأخيرة.

وأخيرا، يرى المتابعون أنه من خلال استبعاده لـ"قلب تونس" منذ البداية، مع أنه القوة السياسية الثانية في البلاد، منح رئيس الحكومة المكلف فرصة سانحة لحركة النهضة لكي تفرض رأيها وخياراتها.

وأمام هذا المأزق، لم يدرك إلياس الفخفاخ، إلا في نهاية المطاف، أن مشروعه يبقى رهينا بالشرعية التي سيمنحها إياه البرلمان وحركة النهضة.

ويبدو أن رئيس الحكومة المكلف قلل من شأن الرسالة التي وجهتها النهضة وتحذيراتها المتتالية التي دعته فيها إلى مراجعة تشكيلته من خلال اختيار حكومة وحدة وطنية تحظى بأغلبية مريحة و لا تشمل الأحزاب التي اختارت طوعا الانخراط في صف المعارضة.

وواجهت جميع المحاولات وأنصاف الحلول التي عمل على إعدادها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وخاصة عدم التراجع، جدارا من الرفض.

فقبل ساعات قليلة فقط من الإعلان الرسمي عن تشكيلة الحكومة، الذي تم تأجيله مرتين، لوحظ تسارع في الأحداث والتطورات، ومنها على وجه الخصوص قرار حركة النهضة الانسحاب من الحكومة وعدم منحها الثقة.

ويتعلق الأمر بحسب ذات المصادر، بقرار على قدر من الخطورة أظهرت من خلاله الحركة تصميمها على عدم الانقياد لرئيس الحكومة المكلف الذي رفض الاستجابة لمطالبها.

فقد أعلن رئيس مجلس شورى حركة النهضة، عبد الكريم الهاروني، منذ أول أمس السبت عن انسحاب حزبه من حكومة إلياس الفخفاخ وعدم منحها الثقة.

وعلى الرغم من الوعود التي قطعت لحركة النهضة من أجل تحسين تمثيلها في الحكومة، إلا أن جدار الثقة بين الحركة ورئيس الحكومة المكلف انهار.

وكذلك الشأن بالنسبة لرئيس حزب "قلب تونس"، نبيل القروي، الذي أعلن في اليوم نفسه عن رفض دعوة رئيس الحكومة المكلف، إلياس الفخفاخ، مؤكدا أن حزبه غير معني بهذه الحكومة.

هذه التطورات المفاجئة جعلت التيار الديمقراطي وحركة الشعب، يعلنان دعمهما لرئيس الحكومة المكلف.

وهكذا فقد دعا محمد عبو، رئيس حزب التيار، رئيس الحكومة المكلف إلى استبدال وزراء حركة النهضة بآخرين مستقلين، قبل عرض حكومته للتصويت أمام مجلس نواب الشعب.

وقال الأمين العام لحركة الشعب، زهير المغزاوي، من جانبه، "نتفهم الصعوبات التي واجهها رئيس الحكومة المكلف ولاحظنا الابتزاز الذي أرادت أن تمارسه عليه حركة النهضة".

وأضاف أن إلياس الفخفاخ "لم يستسلم، وأثبتت حركة النهضة مرة أخرى أن السلطة بالنسبة إليها غنيمة".

وقد أعلن إلياس الفخفاخ مساء أول أمس السبت على شاشات التلفزيون عن قراره مع رئيس الدولة "استغلال ما تبقى من الآجال الدستورية لأخذ التوجه المناسب بما يخدم المصلحة العليا لتونس".

واعتبر الفخفاخ أن اختيار حركة النهضة عدم المشاركة في الحكومة ورفض منحها الثقة، لعدم إشراك حزب قلب تونس في الائتلاف الحكومي، "يضع البلاد أمام وضعية صعبة تقتضي التمعن في الخيارات الدستورية والقانونية والسياسية المتاحة".

وفي جميع الحالات، يرى المحللون أن الرئيس قيس سعيد هو الوحيد القادر على إيجاد حل للأزمة السياسية، التي يمر حلها بالضرورة عبر إجراء مشاورات جادة و مسؤولة مع الأحزاب السياسية، والتي ينبغي أن تأخذ في الحسبان وزنها وتأثيرها.

ولعل ما يحتم الأمر كون تنظيم انتخابات سابقة لأوانها، يبدو بمثابة مغامرة من شأن عواقبها أن تكون وخيمة على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي لتونس، التي عانت من أربعة أشهر من الانتظار، ومن ترقب مشاورات غير مثمرة ومناورات سياسوية عقيمة.

السمات ذات صلة

آخر المواضيع