المزيد
الآن
تهريب التراث المادي المغربي.. إطار قانوني هش يهدّد تاريخ البلد وثقافته
ثقافة

تهريب التراث المادي المغربي.. إطار قانوني هش يهدّد تاريخ البلد وثقافته

عبد المومن محوعبد المومن محو

قد يكون تراث البلد المنقول بشكل خاص، إحدى "الثغور" المهمة التي تستوجب "تجنيدا" مكثّفا من نوع خاص تحسّبا لأي اقتحام غير شرعي من جهة ما، في محاولات للسطو على تاريخ البلد وثقافته بل وجماله كذلك.

ولا يوجد المغرب في مأمن عن هذه المخاطر، التي تهدد كل ما راكمته البلاد من تراث عبر مرّ التاريخ والحضارات المتعاقبة، إذ يعتبره الذين يتاجرون في تاريخ شعب بأكمله، "جنة التراث المادي".

يرى منير أٌقصبي، أستاذ التاريخ وعلم الآثار، في تصريحه لـ2m.ma، أنه يقصد التراث المادي، "مخلّفات الماضي الملموسة ووثائق تاريخية تدلّ على الحضارات الغابرة".

وأضاف أقصبي، أن "هذا النوع من التراث كما هو مبين في اتفاقية التراث الثقافي والطبيعي العالمي لسنة 1972، يشمل التراث المادي غير المنقول؛ ويدخل في نطاقه المعالم التاريخية، والمواقع الأثرية والمُجمّعات السكنية التاريخية، وتراث منقول كاللقى الأثرية من مسكوكات وفخاريات ونقائش، والتحف الفنية المعروضة أو المخزونة في المتاحف بكافة أنواعها، وكذا المخطوطات والكتب النفيسة وغيرها".

في اقتناصهم لهذه النفائس، يكون التجار غير القانونيين في هذا المجال بالمرصاد، إذ يتفاجأ المهتمون بالتراث في كل مرّة بقطع تراثية تباع في المزادات الدولية أو تحجزها جمارك دولة ما.

قبل ثلاث سنوات من الآن مثلا، أثير جدل واسع حول التراث المغربي، بعدما أعلنت دار مزادات عالمية طرح جزء من تراث جيولوجي مغربي للبيع في المزادات العالمية.

وقبل عام من الآن أيضا، حجز الحرس الإسباني سبع قطع حفرية قادمة من المغرب، فيما تمكّن المغرب من استعادة حوالي 25 ألف قطعة أثرية نادرة، كانت قد صادرتها الجمارك الفرنسية خلال ثلاث عمليات حجز متتالية ما بين نونبر 2005 ونونبر 2006.

كما "خرجت من المغرب قطع أثرية تعود للفترة الإسلامية، سُرقت من معالم شهيرة بفاس كالمدرس والجوامع، كان من بينها بعض القطع الخشبية المنحوتة التي سُرقت من المدرسة البوعنانية ومدرسة السبعيين"، وفق ما كشف منير أٌقصبي، أستاذ التاريخ وعلم الآثار بالكلية متعددة بتازة.

وأوضح أستاذ علم الآثار، أن "المغرب تمكن من استرجاع تلك الروافد الخشبية التي سرقت من مدرسة السبعيين، بعدما كانت تباع سنة 2013 بمزاد علني بلندن".

كل هذه المنقولات التراثية المهربة، "تكون عادة تحت الطلب" كما يؤكد يوسف خيارة مدير التراث بوزارة الثقافة، لـ2m.ma، مضيفا أن "تهريبها يكون بالطرق المعروفة والمشاعة التي تقوم بها شبكات وعصابات".

من جانبه، قال منير أقصبي: "كانت هذه التجارة موجودة منذ عهد الاستعمار واستفحلت في العقود الأخيرة، وتهتم أساسا باللُّقى الأثرية التي تتعلق بالتاريخ القديم، خصوصا تلك التي تعود للفترة الرومانية".

ويعدّ أمر حماية الآثار المنقولة وبخاصة غير المقيدة بالسجل الوطني، "مسألة جدّ صعبة ومعقدة لاعتبارات عدة، مرتبطة بمستوى الوعي العام بأهميتها وقيمتها لدى شرائح واسعة، وكذا بقيمتها العالية لدى المضاربين و المستثمرين غير القانونيين في هذا المجال"، يبرز عبد العزيز جناتي، الكاتب العام لمرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية بطنجة.

 وتابع جناتي، في اتصاله بـ"2m.ma"، أن هذه "الصعوبة تزداد بهشاشة الإطار القانوني المنظّم الذي مرّ عليه أزيد من أربعة عقود، ولم يعد يواكب بنية المجتمع، وكذا طبيعة هاته الجرائم الموسومة بالكثير من التفاصيل التي يصعب الوقوف عليها بتلقائية كباقي جرائم الحق العام التي يستوعبها المجتمع  ويتفاعل معها بسهولة".

ولا ينكر يوسف خيارة، مدير التراث الوطني، بأن "هناك قصور في القوانين الحالية، إذ أنه ليس شاملا، خصوصا أنه يحصر منع تصدير المسائل المحميّة قانونيا دون غيرها".

ويستند تجريم تهريب التراث على القانون رقم 80-22، المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية والمناظر والكتابات المنقوشة والتحف الفنية والعاديات.

وينص هذا القانون في الفصل 44، على أنه "لا يجوز تصدير التحف الفنية والعاديات المنقولة رغبة في المحافظة عليها، إذا كانت فيها بالنسبة للمغرب فائدة تاريخية أو أثرية أو أنتروبولوجية أو كانت تهم العلوم التي تعنى بالماضي والعلوم الإنسانية بوجه عام، غير أنه يمكن منح رخص للتصدير المؤقت ولاسيما بمناسبة تنظيم المعارض أو لأجل البحث والدراسة".

من أجل معالجة هذه الثّغرات القانونية، كشف يوسف خيارة، مدير التراث بوزارة الثقافة، أن "الوزارة بصدد تغيير هذا القانون، إذ قامت بإعداد مشروع قانون بشأن حماية التراث الثقافي المادي واللامادي والحفاظ عليه وتعزيزه، وهو المشروع الذي يوجد في طور مسطرة المصادقة".

إلى جانب القوانين، يوصي منير أقصبي، أستاذ علم الآثار بتازة، بـ"تنزيل آليات جديدة لإعطاء علامة متاحف المغرب بالنسبة للأماكن التي تعرض التّحف من دكاكين وبزارات".

كما دعا أستاذ علم الآثار كذلك، إلى "زيادة التنسيق بين وزارة الثقافة والجمارك وأجهزة الأمن، من أجل وضع خبرة محافظي الآثار رهن إشارة المراقبين على مستوى الحدود، وضباط الأمن والدرك لتحديد قيمة القطع المشكوك فيها".

السمات ذات صلة

آخر المواضيع